أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية لمليارات الأشخاص، وتؤثر على جوانب عديدة تتجاوز مجرد طريقة تواصلنا. فهي تؤثر على ما نشتريه، وما نشاهده، وكيف نرتدي ملابسنا، والأماكن التي نرغب في زيارتها، والآراء التي نعتبرها مهمة، وحتى كيف ننظر إلى حياتنا.
تحدث العديد من هذه التأثيرات بشكل غير مباشر. قد يُثير مقطع فيديو قصير رغبةً في شراء منتج. وقد تُضيف صورة من رحلة سياحية وجهةً إلى قائمة أمنياتنا. وقد يُغيّر أحد المؤثرين رأينا في علامة تجارية. وقد يجعل تعليقٌ انتشر بسرعة سلسلةً من الفيديوهات تبدو لا تُفوّت.
لا تتخذ وسائل التواصل الاجتماعي القرارات نيابةً عنا، لكنها تُشكّل البيئة التي نتخذ فيها تلك القرارات. وفهم هذا الأمر يُساعدنا على استخدام هذه المنصات بوعي أكبر.
تختار الخوارزمية الكثير مما نراه.
من أكثر جوانب وسائل التواصل الاجتماعي إثارة للاهتمام أننا لا نختار دائمًا ما نستهلكه بالضبط. تقوم الخوارزميات بتحليل الإعجابات والتعليقات ووقت المشاهدة والمشاركات وعمليات البحث لتحديد المحتوى الأكثر ظهورًا.
هذا يعني أن بإمكان شخصين فتح التطبيق نفسه واكتشاف عالمين مختلفين تمامًا. سيحصل من يشاهدون الكثير من فيديوهات الديكور على المزيد من نصائح تصميم المنازل. أما من يتفاعلون مع محتوى السفر، فسيحصلون على المزيد من الوجهات والفنادق وبرامج الرحلات. بينما سيحصل من يشاهدون الكثير من فيديوهات التسوق على المزيد من العروض والتقييمات.
يُضفي هذا النظام طابعًا شخصيًا على التجربة، ولكنه يُنشئ أيضًا فقاعات. تدريجيًا، نبدأ برؤية المزيد من الشيء نفسه، وهذا قد يُعزز الرغبات والآراء والعادات دون أن نُدرك ذلك.
تؤثر الأدلة الاجتماعية على القرارات.
عندما نرى الكثير من الناس يُعجبون بشيء ما، أو يُعلّقون عليه، أو يُوصون به، فإننا نميل إلى اعتباره أكثر إثارة للاهتمام أو جدارة بالثقة. تُعرف هذه الظاهرة باسم الدليل الاجتماعي.
على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر ذلك في التقييمات، وعدد الإعجابات، والتعليقات الإيجابية، والفيديوهات الرائجة، وتوصيات المؤثرين. فإذا أشاد الكثيرون بمنتج أو مطعم أو فيلم أو تطبيق، فإنه يبدو أكثر جاذبية.
تشير الدراسات الحديثة حول سلوك الشراء على منصات التواصل الاجتماعي إلى أن كمية ونوعية الدليل الاجتماعي تؤثر على عمليات الشراء الاندفاعية، خاصة عندما يكون هناك تفاعل وتعليقات في الوقت الفعلي من المستخدمين الآخرين.
وهذا يفسر سبب نفاد المنتجات بسرعة بعد انتشارها على نطاق واسع. فالكثير من الناس يشترونها ليس فقط لحاجتهم إليها، بل لشعورهم بأن "الجميع يستخدمها".
أصبح المؤثرون معياراً للاستهلاكية.
يلعب المؤثرون دوراً هاماً في خيارات اليوم. فهم يوصون بالمنتجات، ويعلقون على الاتجاهات، ويختبرون الخدمات، ويعرضون روتينهم اليومي، ويبنون الثقة مع جمهورهم.
بالنسبة للعديد من المتابعين، تبدو توصيات المؤثرين أكثر شخصية ومصداقية من الإعلانات التقليدية، وهذا ما يجعل التسويق عبر المؤثرين بالغ التأثير.
أشارت شركة ديلويت إلى أن منصات التواصل الاجتماعي، والمبدعين، والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون، باتت قوة محورية في عالم الترفيه وفي معركة جذب انتباه الجمهور. وتشير بيانات ديلويت نفسها، والمتوقعة لعام 2026، إلى أن المجتمعات والمبدعين يؤثرون بشكل كبير على تفاعل الجمهور مع المحتوى الترفيهي.
ولا يقتصر هذا التأثير على عمليات الشراء فقط، بل يؤثر المبدعون أيضاً على الآراء وأنماط الحياة والخيارات الثقافية وحتى طرق الكلام.
تخلق وسائل التواصل الاجتماعي رغبات لم تكن موجودة من قبل.
غالباً ما نتصفح الإنترنت دون نية الشراء، لكننا نخرج منه ونحن نتوق إلى شيء جديد. يحدث هذا لأننا نتعرض باستمرار للمنتجات والتجارب وأنماط الحياة.
قد لا يبحث الشخص عن مصباح، لكنه يشاهد فيديو عن الديكور ويبدأ برغبة في تصميم غرفة مشابهة. قد لا يفكر في السفر، لكنه يرى صورًا لوجهة سياحية ويبدأ بالبحث عن رحلات طيران. قد لا يحتاج إلى ملابس جديدة، لكن إطلالة رائجة تخلق لديه شعورًا بأن شيئًا ما ينقص خزانة ملابسه.
تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي الاكتشاف إلى رغبة. لكن المشكلة تكمن في أن ليس كل رغبة تمثل حاجة حقيقية.
تؤثر المقارنة على الخيارات الشخصية.
تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً على الخيارات من خلال المقارنة. فنحن نرى الناس يسافرون، ويجددون منازلهم، ويشترون المنتجات، ويغيرون أجسامهم، وينظمون روتينهم اليومي، ويحققون إنجازات مهمة.
حتى مع العلم أن العديد من المنشورات لا تُظهر سوى لمحات من الحياة، فمن السهل مقارنة واقعنا بما يظهر على الشاشة. هذه المقارنة قد تؤثر على تقدير الذات، وأنماط الاستهلاك، والقرارات.
قد يشتري شخص ما شيئًا ما ليشعر بأنه يواكب الموضة. وقد يغير نمط حياته ليُشبه الأشخاص الذين يُعجب بهم. بل قد يشعر بعدم الرضا عن روتينه اليومي عندما لا يرى إلا أفضل لحظات الآخرين.
لذلك، من المهم أن نتذكر أن وسائل التواصل الاجتماعي تعرض نسخاً منقحة من الحياة، وليس الواقع الكامل.
تنتشر الصيحات بسرعة كبيرة.
في السابق، كانت صيحات الموضة والموسيقى والسلوك والاستهلاك تستغرق وقتاً أطول لتصبح رائجة. أما اليوم، فيمكن لفيديو ينتشر بسرعة البرق أن يخلق صيحة عالمية في غضون أيام قليلة.
قد تشتهر أغنية ما بفضل رقصة. وقد يزداد بيع منتج تجميلي بعد قراءة مراجعة عنه. وقد يكتظ مطعم بالزبائن بعد ظهوره في مقاطع فيديو قصيرة. وقد تتحول عبارة ما إلى ميم وتدخل في اللغة الدارجة.
تُغيّر هذه السرعة خياراتنا لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح. فإذا كان هناك شيء رائج، يبدو أننا بحاجة إلى معرفته، ومشاهدته، وشرائه، أو التعليق عليه قبل أن يتلاشى هذا الرائج.
تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على الأخبار والآراء.
تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً على كيفية حصول الكثير من الناس على معلوماتهم. فبحسب مركز بيو للأبحاث، قال 531,300 بالغ في الولايات المتحدة عام 2025 إنهم يحصلون على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان على الأقل.
هذا يدل على أن منصات التواصل الاجتماعي ليست مخصصة للترفيه فقط، بل تساهم أيضاً في تشكيل الآراء حول السياسة والاقتصاد والصحة والثقافة والسلوك.
يكمن التحدي في أن المحتوى المعلوماتي على وسائل التواصل الاجتماعي لا يخضع جميعه للتحقق الصحفي. فالأخبار الكاذبة، والمقتطفات المجتزأة من سياقها، والآراء التي تُعرض على أنها حقائق، قد تؤثر على قرارات مهمة. لذا، من الضروري التحقق من المصادر قبل تصديق المعلومات أو مشاركتها.
إن الخوف من الاستبعاد يؤثر بشكل كبير على القرارات.
ومن العوامل المهمة الأخرى الخوف من تفويت الأحداث، المعروف اختصاراً بـ FOMO. فعندما يبدو أن الجميع يشاهدون نفس المسلسل، أو يستخدمون نفس التطبيق، أو يناقشون نفس الموضوع، نشعر برغبة ملحة في المشاركة.
قد يؤثر هذا الخوف على كل شيء، بدءًا من الخيارات البسيطة، مثل مشاهدة فيلم رائج، وصولًا إلى قرارات الشراء. فالشخص لا يريد أن يشعر بأنه مُستبعد من الحوار، لذا يتبع الصيحات حتى وإن لم يكن مهتمًا بها حقًا.
هذا السلوك شائع لأن البشر يسعون إلى الانتماء. وتُضخّم الشبكات الاجتماعية هذا الشعور من خلال عرض ما يفعله الآخرون باستمرار.
كيفية اتخاذ خيارات أكثر وعياً
إن أفضل طريقة للتعامل مع هذا التأثير ليست التخلي عن وسائل التواصل الاجتماعي، بل استخدامها بحذر أكبر. قبل شراء أي شيء تراه على الإنترنت، انتظر قليلاً. اسأل نفسك إن كان المنتج ضرورياً، وإن كان يناسب ميزانيتك، وإن كنت ترغب فيه أصلاً قبل رؤية محتواه.
من المفيد أيضاً تنويع مصادر معلوماتك. تابع حسابات مختلفة، واقرأ آراء متنوعة، وتحقق من البيانات على مواقع إلكترونية موثوقة.
نصيحة أخرى هي مراقبة مشاعرك تجاه محتوى معين. إذا كان أحد الحسابات يثير لديك القلق أو المقارنة أو يدفعك إلى الاستهلاك الاندفاعي، فقد يكون الوقت قد حان لكتم صوته أو إلغاء متابعته.
خاتمة
تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على خياراتنا لأنها تنظم ما نراه، وتخلق الرغبات، وتعزز الاتجاهات، وتزيد المقارنات، وتقرب المؤثرين من جمهورهم. وهي تشكل باستمرار أنماط الاستهلاك والرأي والترفيه والسلوك.
ليس هذا التأثير سيئاً بالضرورة. فوسائل التواصل الاجتماعي تُساعدك على اكتشاف منتجات مفيدة، وتعلّم أشياء جديدة، وإيجاد الإلهام، والمشاركة في المجتمعات. تكمن المشكلة عندما نقرر العمل بشكل آلي.
كلما ازداد فهمنا لكيفية عمل الشبكات، كلما سهُل علينا اتخاذ خيارات واعية. في النهاية، القرار الأمثل هو القرار الذي يُناسب حياتك، وليس فقط ما يُناسب الخوارزمية.

